ابحث عن التشريع
حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم د / 1 / 09
التاريخ:
10/05/2012
رقم الجريدة الرسمية:
3051

باسم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة

ملك مملكة البحرين

المحكمة الدستورية

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأربعاء 25 أبريل سنة 2012 م، الموافق 4 جمادى الآخرة سنة 1433هـ.

برئاسة سعادة القاضي / سالم بن محمد الكواري، رئيس المحكمة.

وعضوية السادة القضاة: محمد أسامة عباس عبدالجواد، وعباس الشيخ منصور الستري، وسلمان عيسى سيادي، والدكتورة ضحى إبراهيم الزياني، والدكتور محمد المشهداني، ونوفل بن عبدالسلام غربال، أعضاء المحكمة الدستورية.

وبحضور السيد/ عبدالحميد علي الشاعر، أمين السر.

أصدرت الحكم التالي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية برقم (د/1/09) لسنة (7) قضائية.

المقامة من

مؤسسة مركز المنامة للتنظيفات لصاحبها عيسى عبدالحسين أحمد جعفر.

وكيلها المحامي جعفر أحمد مرهون.

ضد

1)    صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء (بصفته) ويمثله جهاز قضايا الدولة.

2)    وزير الصحة (بصفته).

الإجراءات

بتاريخ الرابع والعشرين من شهر مايو سنة 2009، أودع المدعي صحيفة الدعوى الماثلة الأمانة العامة للمحكمة طالبًا الحكم، أولاً: بقبول الطعن شكلاً، وثانيًا: بعدم دستورية المادة (95) من قانون العمل رقم (23) لسنة 1976 المعدل، والقرارات الوزارية الصادرة عن وزير الصحة رقم (1) لسنة 1977، ورقم (27) لسنة 1984، ورقم (2) لسنة 2006، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وتضمين المدعى عليهما رسوم الدعوى شاملة أتعاب المحاماة.

وقدم ممثل الحكومة مذكرة طلب فيها الحكم أصليًّا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًّا: بعدم اختصاص المحكمة، وعلى سبيل الاحتياط الكلي الحكم برفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات.

ونُظِرت الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.

وحيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليه الثاني بصفته وزيراً للصحة، كان قد أقام الدعوى الموضوعية رقم 02/2008/9818/7 أمام المحكمة الكبرى المدنية، ضد المدعية بطلب إلزامها بسداد مبلغ 409/50,301 دينار مقابل رسوم الرعاية الصحية المستحقة عليها عن الفترة من شهر يناير 2005 لغاية شهر أبريل 2008، وذلك باعتبارها إحدى المنشآت الخاضعة لنظام الرعاية الصحية الأولية بموجب القرار الوزاري رقم (1) لسنة 1977 بتحديد وتنظيم الرعاية الصحية الأساسية لعمال المنشآت التي يزيد عدد عمالها على خمسين عاملاً وتعديلاته، تطبيقًا لنص المادة (95) من قانون العمل في القطاع الأهلي. وأثناء نظر الدعوى أمامها، قدم الحاضر عن المدعية مذكرة دفع فيها بعدم دستورية القرار المذكور وتعديلاته، فقررت بجلسة 29/4/2009 جدية هذا الدفع، وتأجيل الدعوى لتمكين المدعية من رفع دعوى بعدم الدستورية عملاً بالمادة (18/ج) من قانون المحمكة الدستورية الصادر بالمرسوم رقم (27) لسنة 2002، فأقامت الدعوى الماثلة.

وحيث إنه عن دفع ممثل الحكومة بعدم اختصاص المحكمة الدستورية بنظر دعوى التعارض بين نص تشريعي ونص تشريعي آخر، فإنه وإنْ كانت المحكمة لا تختص بنظر التعارض بين التشريعات العادية ذات المرتبة الواحدة، أو بينها وبين التشريعات الفرعية، إلا أنه لما كان الثابت من صحيفة الدعوى أن القرارات المطعون عليها تعد تشريعًا بالمعنى الموضوعي لما تتضمنه من قواعد موضوعية وتنظيمية، وتتولد عنها مراكز عامة ومجردة، وأن المدعي لم يكتف ببيان التعارض بينها وبين نصوص أخرى، وإنما يطعن أيضًا عليها بمخالفتها لنصوص الدستور، ومبينًا وجوه مخالفتها لأحكامه، بما يشكل منازعة دستورية تستنهض ولاية المحكمة الدستورية، فيكون الدفع بعدم اختصاصها بنظر هذه الدعوى من هذا الوجه بلا أساس، مما يتعين رفضه.

وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول طلب الطعن على المادة (95) من قانون العمل والقرار رقم 2/2006 لاتصالهما بالمحكمة بغير الطريق القانوني، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أنّ مناط ولاية المحكمة الدستورية على دستورية القوانين واللوائح، هو اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة وفقًا للأوضاع المنصوص عليها في المادة (18) من المرسوم بقانون رقم (27) لسنة 2002 بإنشاء المحكمة الدستورية، التي تنص على أن: ((ترفع المنازعات الخاصة بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:

ج- إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، ورأت هذه المحكمة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى، وحددت لمن أثار الدفع ميعادًا لا يجاوز شهرًا واحدًا لرفع دعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن)).

وحيث إن مؤدى ذلك أن المشرع رسم طريقًا لرفع الدعوى الدستورية، المقامة عن طريق الدفع الفرعي - باعتباره محركًا للخصومة الدستورية - وهو طريق قاطع في دلالته على أن القوانين واللوائح التي يتصل الطعن عليها بالمحكمة الدستورية اتصالاً مطابقًا للأوضاع المقررة قانونًا، هي تلك التي تطرح عليها بعد دفع بعدم دستوريتها ، يبديه خصم أمام محكمة الموضوع، وتقرر هي جديته، وتصرح لمبديه وخلال أجل لا يجاوز شهرًا برفع دعواه الدستورية، وفي الحدود التي قررت فيها جدية الدفع، ولم يجز المشرع - بالتالي– للأفراد إقامة الدعوى الأصلية أو المباشرة سبيلاً للطعن بعدم الدستورية، وهذه الأوضاع الإجرائية تعد من النظام العام، فلا يجوز مخالفتها.

لما كان ذلك، وكان الثابت بأوراق الدعوى، أن المدعية قد ضمنت لائحة دعواها الدستورية طعنًا بعدم دستورية نص المادة (95) من قانون العمل في القطاع الأهلي، في حين أن طلباتها أمام محكمة الموضوع قد اقتصرت على الدفع بعدم دستورية القرار رقم (1) لسنة 1977 سالف البيان وتعديلاته، ويشمل ذلك تعديله بموجب القرار رقم 2/2006، وقدرت المحكمة جديته بجلسة 29/4/2009، وصرحت لها بإقامة الدعوى الدستورية في حدود طلباتها، فإن الدعوى في شقها الخاص بالطعن على نص المادة (95) من قانون العمل تعد دعوى مباشرة، ولم تتصل بالمحكمة الدستورية اتصالاً مطابقًا للأوضاع التي رسمها قانونها، ومن ثم تقضي المحكمة بعدم قبول الطعن عليها، وبقبوله فيما عدا ذلك.

وحيث إن المصلحة الشخصية والمباشرة - وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أنْ يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية ذا أثر في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة في دعوى الموضوع، وبالقدر اللازم والضروري للفصل فيها، دون زيادة أو نقصان، وذلك التزامًا بمبدأ قرينة الدستورية لمصلحة القوانين. وإذا كانت الدعوى الدستورية تدور وجودًا وعدمًا مع المصلحة فيها، فإن المصلحة ذاتها، تحدد في الوقت ذاته، نطاق الدعوى وحدوده، ضيقًا واتساعًا، فلا يمتد لغير المطاعن التي يؤثر الحكم بصحتها أو ببطلانها في النزاع الموضوعي. متى كان ذلك، وكان الثابت بأوراق الدعوى، أن المدعى عليها اختصمت المدعية في الدعوى الموضوعية، بطلب إلزامها بدفع تكاليف خدمة الرعاية الصحية الأساسية، عن الفترة من يناير 2005 لغاية أبريل 2008، بوصفها منشأة يزيد عدد عمالها على خمسين عاملاً ولا تستطيع أن توفر لعمالها تلك الخدمة كوحدة متكاملة، وكان نص المادة الخامسة وتعديلاته بموجب القرارات الوزارية المطعون عليها هو سند المديونية التي تنطبق على وقائع الدعوى، فإنّ مصلحة المدعية الشخصية والمباشرة تتحقق في الطعن على المادة الخامسة وحدها، دون أن يؤثر في ذلك إلغاؤها بصدور القرار رقم (6) لسنة 2009، لأن إلغاء النص القانوني لا يحول دون الطعن عليه بعدم دستوريته ممن طبق عليه خلال فترة نفاذه، باعتبار أن المبالغ موضوع المنازعة الموضوعية كانت خلال الفترة من يناير 2005 حتى أبريل 2008، ومن ثم يتحدد نطاق الدعوى بنص المادة الخامسة من القرار رقم (1) لسنة 1977 وتعديلاته بالقرار رقم (27) لسنة 1984 والقرار رقم (2) لسنة 2006 وحده، دون سواه من النصوص أو الأحكام الأخرى التي تضمنتها باقي نصوص القرار الوزاري رقم (1) لسنة 1977.

وحيث إن القرار ينص في مادته الخامسة على أنْ: ((تقوم الوزارة بتوفير الرعاية الصحية الأساسية للعاملين في المنشآت الخاضعة لأحكام هذا القرار إذا كانت المنشأة لا تستطيع أن تتكفل بالرعاية الصحية للعاملين لديها كوحدة متكاملة وفقًا للشروط والمواصفات والمستويات المنصوص عليها في هذا القرار وللتعليمات التي تصدرها وزارة الصحة.

وفي هذه الحالة تلتزم المنشأة بأن تؤدي للوزارة تكاليف تلك الرعاية والمحددة على النحو التالي:

‌أ)       -/30 دينارًا سنويًّا عن كل عامل غير بحريني.

‌ب)  -/18 دينارًا سنويًّا عن كل عامل بحريني.

وتؤدى المبالغ المستحقة لوزارة الصحة على النحو المتقدم اعتبارًا من أول يناير 1977 على أقساط شهرية تدفع في نهاية كل شهر، فإذا لم يتم السداد في هذا الميعاد تفرض على المنشأة فائدة قدرها 5% من المبالغ المستحقة عن كل شهر تأخير أو جزء من الشهر، ويتعين سدادها لوزارة الصحة مع أصل المبلغ، وتعتبر واجبة الأداء دون سند تنفيذي وتلتزم المنشأة بسدادها فور مطالبتها بها كتابيًّا بخطاب مسجل بعلم الوصول)).

وينص القرار رقم (27) لسنة 1984 بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1977 في مادته الأولى على أنْ: ((يستبدل بنص الفقرة الثالثة من المادة (5) من القرار رقم (1) لسنة 1977 والمشار إليه النص التالي:

((تؤدى المبالغ المستحقة لوزارة الصحة على النحو المتقدم على أقساط شهرية تدفع في نهاية كل شهر، فإذا لم يتم السداد في هذا الميعاد تفرض على المنشأة غرامة قدرها 5% سنويًّا تدفع على المبالغ المستحقة عن كل شهر تأخير أو جزء من الشهر، وعلى المنشأة سداد هذه المبالغ من الغرامة إلى وزارة الصحة وتعتبر واجبة الأداء دون سند تنفيذي وتلزم المنشأة بسدادها فور مطالبتها كتابيًّا بخطاب مسجل بعلم الوصول)).

وينص القرار رقم (2) لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام القرار رقم (1) لسنة 1977 في مادته الأولى على أنْ: ((يستبدل بنص البند (أ) من الفقرة الثانية من المادة (5) من القرار رقم (1) لسنة 1977 بتحديد وتنظيم الرعاية الصحية الأساسية لعمال المنشآت التي يزيد عدد عمالها عن خمسين عاملاً النص الآتي:

أ- -/42 دينارًا سنويًّا عن كل عامل غير بحريني اعتبارًا من أول يوليو 2006، ويعدل هذا المبلغ ليكون -/54 دينارًا سنويًّا اعتبارًا من أول يناير 2007)).

وتنص المادة (95) من قانون العمل في القطاع الأهلي على أنْ: ((تلتزم المنشأة بتوفير الرعاية الصحية الأساسية لعمالها إذا تجاوز عددهم خمسين عاملاً، وذلك طبقًا لما يصدره وزير الصحة بالاتفاق مع وزير العمل والشئون الاجتماعية من قرارات في هذا الشأن)).

وتنص المادة (107) من الدستور على أنّ: ((أ- إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا يكون إلا بقانون، ولا يعفى أحد من أدائها كلها أو بعضها إلا في الأحوال المبينة بالقانون، ولا يجوز تكليف أحد بغير ذلك من الضرائب والرسوم والتكاليف إلا في حدود القانون. ب- يبين القانون الأحكام الخاصة بتحصيل الضرائب والرسوم وغيرها من الأموال العامة، وبإجراءات صرفها)).

وتنص المادة (15/أ) من الدستور على أنّ:((الضرائب والتكاليف العامة أساسها العدالة الاجتماعية، وأداؤها واجب وفقًا للقانون)).

وتنص المادة (32/أ) من الدستور على أنه: ((يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقًا لأحكام الدستور، ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في هذا الدستور، وإنما يجوز التفويض التشريعي المحدد بفترة معينة وبموضوع أو موضوعات بالذات، ويمارس وفقًا لقانون التفويض وشروطه)).

وحيث إن المدعية تنعى على النص الطعين – في النطاق المحدد سلفًا - وبالقدر اللازم للفصل في الدعوى الدستورية، بأن المبالغ المقررة في المادة الخامسة وتعديلاتها من القرارات المطعون عليها، رسوم فرضها وزير الصحة بموجب قرارات وزارية، دون الاستناد إلى قانون أو تفويض من السلطة التشريعية المختصة بفرضها، فضلاً عن أن نص المادة (95) من قانون العمل، التي صدرت القرارات المطعون عليها تطبيقًا له، لم ينص على فرض مبلغ أو رسم معين مقابل توفير الرعاية الصحية الأساسية لعمال المنشأة، مما أدى إلى تحصيل رسوم بلا نص قانوني صادر عن السلطة التشريعية المختصة، وهو ما يصمها بمخالفة نص المادتين (107/أ، ب) و(32/أ) من الدستور، كما أنه النص المطعون فيه فرض رسومًا مقابل الرعاية الصحية الأساسية لعمال المنشأة، مخالفًا بذلك حكم المادتين (8/أ) و(5/أ، ج) من الدستور الذي يكفل مجانية الخدمات الصحية للمواطنين والأجانب.

وحيث إنّ الدستور، تناول في المادة (107) منه، الأحكام المتعلقة بأهم إيرادات الدولة من ضرائب ورسوم وتكاليف مالية، دون أنْ يوحد الأحكام التي تنتظمها، رغم أنها تتفق في أنها جميعًا فرائض مالية تجبيها الدولة، إذ إنه - ونظرًا لتمايزها - غاير في الحكم بينها، فنص على أنّ إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاءها لا يكون إلا بقانون، بينما اكتفى في شأن غيرها من الضرائب والرسوم والتكاليف، بألا يتم التكليف بأدائها إلا في حدود القانون. ومؤدى ذلك أن المشرع الدستوري بهذه التفرقة في الأداة، قد جعل من القانون وسيلة وحيدة ومصدرًا مباشرًا للضرائب العامة، فالسلطة التشريعية هي التي تقبض بيدها على زمام الضريبة العامة وتتولى بنفسها تنظيم أوضاعها وتفصيل ما يتصل ببنيانها، وذلك على تقدير أن الضريبة العامة هي فريضة مالية يلتزم الشخص بأدائها للدولة مساهمة منه في التكاليف والأعباء والخدمات العامة، دون أن يعود عليه نفع خاص أو مباشر من وراء التحمل بها، بما ينطوي عليه ذلك من تحميل المكلفين بها أعباءً ماليةً تقتطع من ثروتهم تبعًا لمقدرتهم التكليفية، ومن ثم فإنه يتعين تقريرها بموازين دقيقة ولضرورة تقتضيها، وهو ما ارتبط من الناحية التاريخية بوجود المجالس التشريعية ورقابتها للسلطة التنفيذية، ومن هنا كان القانون هو وحده وسيلة فرضها.

أما بالنسبة إلى الضرائب غير العامة والتكاليف المالية الأخرى ومن بينها الرسوم، التي تستأدى جبرًا مقابل خدمة محددة يقدمها الشخص العام لمن يطلبها، ويفيد منها دافعها عوضًا عن تكلفتها وإن لم تكن بمقدارها، فقد سلك الدستور في شأنها مسلكًا وسطًا ؛ بأن أجاز للسلطة التشريعية بأنْ تأذن للسلطة التنفيذية في تنظيم أوضاعها، ولكن لم يشأ أن يجعل هذا الإذن مطلقًا وإنما جعله مقيدًا بالقيود التي حددها الدستور ذاته، وأخصها أن يكون التكليف بأدائها في (حدود القانون) الذي يقررها، أي أن يتولى القانون فرضها وبيان حدودها وتخومها ويشي بملامحها، مبينًا العريض من أحكامها، دون أن يحيط بها في كل جزئياتها، تاركًا للسلطة التنفيذية أن تستكمل ما نقص من جوانبها، ومن ثم لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتجاوز حدود الرسم المقرر بالقانون، إلا بإذن صريح يرد في القانون ذاته، وفي حدود هذا الإذن، حتى لا تنفرد السلطة التنفيذية بهذه الأحكام، على خلاف ما أوجبه الدستور من أن يكون تفويضها في فرض هذه الرسوم (في حدود القانون).

وحيث إن القيود التي قيد بها الدستور السلطة التشريعية في تفويضها للسلطة التنفيذية، في شأن الفرائض المالية الأخرى غير الضرائب العامة، تتفق مع كون هذه الفرائض مصدرًا لإيرادات الدولة، ووسيلة من وسائل تدخلها في التوجيه الاقتصادي والاجتماعي، تأكيدًا لإتاحة الفرص المتكافئة، للحصول على الخدمات العامة، التي تؤديها الدولة، حتى لا تكون الرسوم مجرد وسيلة جباية لا تقابلها خدمات حقيقية يحصل عليها من يدفعها، ولا يتم ذلك إلا بمسلك متوازن من المشرع، لا يكتفي فيه بمجرد إقرار مبدأ فرض الرسم، وإنما يتم تحديده في نطاق السياسة المالية، التي تنتهجها السلطة التشريعية، في مجال تحديد الإيرادات وضبط الإنفاق، وكفالة تقديم الخدمات التي تلتزم بها الدولة على أساس من العدل الاجتماعي، ولا يتنافى ذلك مع المرونة اللازمة في فرض الرسوم لمجابهة الظروف المتغيرة مع تكاليف أداء الخدمة، طالما أن تعديلها بما يتناسب معها لا يكون دائمًا بقانون في كل حالة على حدة، وإنما يتم ذلك في الحدود التي بينها القانون الذي قررها، أي بقرار من السلطة التنفيذية يقع في دائرة السلطة المقيدة، ولا يتجاوز نطاق التفويض الممنوح من المشرع.

وحيث إنّ المشرع الدستوري، وإنْ ذكر في المادة (107) من الدستور أهم إيرادات الدولة، فقصر القيود سالفة البيان عليها على النحو المبين أعلاه، إلا أنّ تلك الإيرادات لا تشكل وحدها كل مصادر الدولة المالية، وإنما هناك موارد مالية من نوع آخر تختلف عن مفهومي الضرائب والرسوم، لم يشأ المشرع الدستوري أن يقيد السلطات الإدارية بشأنها بالقيود والقواعد اللازم اتباعها في تقرير الضرائب والرسوم، ومن بين تلك الموارد أثمان المنتجات ومقابل الخدمات التي تُحَصِّلها الجهاتُ القائمة على إدارة أملاك الدولة ومرافقها العامة، كمرافق الكهرباء والماء والاتصالات والطيران والنقل والصحة وغيرها، وذلك لأنها موارد تتعلق بمنتجات وخدمات يؤديها المرفق العام الاقتصادي (صناعي أو تجاري) في الدولة، وتتناسب أثمانها مع الخدمات المؤداة، فهي تقترب في طبيعتها من طبيعة السلع والخدمات التجارية، وتدار وفقًا لأساليب الإدارة الاقتصادية، ومن ثم لا تكتسب أثمانها وصف الضرائب أو مفهوم الرسوم، وإنما تتحدد وفق مقتضيات العوامل الاقتصادية البحتة التي تحكم السوق التجارية ؛ من عرض وطلب ومنافسة تجارية وغيرها من الظروف، وتخضع للتغيرات التي تفرضها طبائع الأوضاع الاقتصادية، ولذلك لم يقيد المشرع الدستوري إدارة المرفق العام الاقتصادي في تحديد أثمان هذه المنتجات بالقواعد والإجراءات المنصوص عليها في المادة (107) سالفة الذكر، ومن ثم لا يشترط أنْ يصدر بتحديدها قانون أو أنْ يتم فرضها بناءً على قانون، وإنما تستقيم صحة تقريرها إذا ما صدرت عن الجهة المنوط بها إدارة المرفق، في إطار الصلاحيات التي يمنحها لها التنظيم التشريعي للمرفق ذاته، وتقدرها حسب عوامل السوق التجارية السائدة والمتغيرة.

وحيث إن المحكمة وهي تباشر الرقابة الدستورية يقتضيها ابتداءً، وبحكم اللزوم، أن تقف على حقيقة النصوص المطعون عليها بعدم الدستورية، لتحدد مضامينها ومعانيها ومراميها، قبل أن تقوم بمقابلتها بأحكام الدستور، تحرياً لمطابقتها معها أو خروجها عليها، ولا تتقيد في ذلك بالتفسير الذي يحدده أطراف الدعوى للنص، ولا بالوصف الذي يسبغه المشرع ذاته على الموضوع الذي ينظمه، ومن ثم يكون تحديد المحكمة للنصوص القانونية، سواء في معناها أو مغزاها، عملاً مبدئيًّا وسابقًا بالضرورة على الخوض في مناعيها الدستورية. وحيث إنه في ضوء ما تقدم، ولبيان حقيقة التكاليف التي قررتها القرارات المطعون عليها، فإن الثابت من المادة الخامسة وتعدبلاتها من القرارات المطعون عليها أنها تنص على فرض مبالغ محددة تتقاضاها وزارة الصحة من المنشأة التي يزيد عدد عمالها على خمسين عاملاً ولا تستطيع أن تكفل الرعاية الصحية للعاملين لديها كوحدة متكاملة، مقابل قيام الوزارة بتوفير خدمة الرعاية الصحية الأساسية لعمال المنشأة، وذلك بواقع مبلغ -/30 دينارًا سنويًّا عن كل عامل غير بحريني، ومبلغ -/18 دينارًا سنويًّا عن كل عامل بحريني، ثم عُدل ليكون مبلغ -/42 دينارًا سنويًّا عن كل عامل غير بحريني اعتبارًا من أول يوليو 2006، ويعدل هذا المبلغ ليكون -/54 دينارًا سنويًّا اعتبارًا من أول يناير 2007 تدفع على أقساط شهرية في نهاية كل شهر، فإذا لم يتم السداد في الميعاد تفرض على المنشأة غرامة قدرها 5% سنويًّا عن المبالغ المستحقة عن كل شهر تأخير أو جزء منه، تسدد مع أصل المبلغ وتعتبر واجبة الأداء دون سند تنفيذي، كما تنص المادة السادسة على أن تلتزم المنشأة بالتكاليف التي فرضها النص إلى حين حصولها على تصريح من وزارة الصحة في القيام بتوفير الرعاية الصحية لعمالها بنفسها، كما أجازت المادة السابعة من القرار للمنشأة التي تقوم بتوفير الرعاية الصحية لعمالها بوسائلها الخاصة خلال فترة محددة في اليوم، أن تطلب إلى الوزارة القيام نيابة عنها بتقديمها في الأوقات التي لا توفر فيها خدماتها، مقابل تخفيض قيمة التكاليف المنصوص عليها في المادة الخامسة بنسبة يتفق عليها بين الوزارة والمنشأة، بما مؤداه أنّ القرار أجاز للمنشأة طلب التصريح لها بالوسيلة البديلة التي تختارها لتنفيذ التزامها بتوفير الرعاية الصحية لعمالها، وخيّرها بين الحصول عليها عن طريق وزارة الصحة، أو القيام بها بنفسها كوحدة متكاملة، وينضوي تحت ذلك التعاقد مع المؤسسات الصحية والمستشفيات الخاصة القادرة على توفيرها، وذلك بالشروط والأوضاع المنصوص عليها في المادتين الثالثة والرابعة من القرار، وفي هذه الحالة يصدر قرار وزارة الصحة بالتصريح لها بذلك. وحيث إن الدولة ممثلة في وزارة الصحة هي القائمة على مرفق الصحة في مملكة البحرين، وتكفل طبقًا لنص الفقرة (أ) من المادة (8) من الدستور الرعاية الصحية لكل مواطن ووسائل الوقاية والعلاج، بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية، فإن الفقرة (ب) من المادة (8) من الدستور أجازت للأفراد والهيئات إنشاء مستشفيات أو مستوصفات أو دور علاج بإشراف من الدولة ووفقًا للقانون، فغدت الرعاية الصحية خدمة تقدمها الدولة في الأساس، ويمكن أن يقوم بها الأفراد والهيئات، لتصبح تلك الخدمة في الحالتين من طبيعة واحدة، ويكون من ثم المقابل الذي يتم تحصيله نظير تلك الخدمة، سواء للدولة، ممثلة في وزارة الصحة، أو للأفراد أو الهيئات الخاصة من ذات الطبيعة.

متى كان ذلك، وكانت وزارة الصحة تحصِّل من المنشآت التي يزيد عدد عمالها على خمسين عاملاً تكاليف الرعاية الصحية الأساسية التي تقدمها لها بالفئات التي حددتها المادة (5) وتعديلاتها من القرارات المطعون عليها إلى حين حصولها على ترخيص من وزارة الصحة في القيام بتوفير تلك الرعاية بنفسها، فلا تعدو هذه التكاليف أن تكون ثمنًا أو مقابلاً لتلك الرعاية، وليست رسمًا بالمعنى القانوني، ومن ثم لا تخضع للضوابط الدستورية التي تخضع لها الضرائب والرسوم والتكاليف العامة الأخرى، ولا مخالفة فيها لأحكام المادتين (32/أ) و(107) من الدستور.

وحيث إنه لا وجه لما تنعاه المؤسسة المدعية من مخالفة النص المطعون فيه لمجانية الرعاية الصحية التي تقدمها الدولة طبقًا لحكم المادتين (8/أ) و(5/ج) من الدستور، ذلك أنهما حينما ألزمتا الدولة بتأمين وكفالة الرعاية الصحية ووسائل الوقاية والعلاج، لم تفرضا أن تكون هذه الرعاية مجانية، ومن ثم لا يتنافى الحصول على مقابل الخدمة مع كفالتها.

وحيث إن النص المطعون فيه - في النطاق المحدد سلفًا - لا يخالف أي حكم آخر في الدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى وإلزام المدعية المصروفات.

عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة رئيس المحكمة

مشاركة هذه الصفحة