ابحث عن التشريع
حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم د / 5 / 08
التاريخ:
05/04/2012
رقم الجريدة الرسمية:
3046

باسم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة

ملك مملكة البحرين

المحكمة الدستورية

بالجلسة العلنية المنعقدة، يوم الأربعاء 28 مارس 2012م، الموافق 5 جمادى الأولى 1433هـ.

برئاسة سعادة القاضي: سالم بن محمد الكواري، رئيس المحكمة.

وعضوية السادة القضاة: محمد أسامة عباس عبدالجواد، وعباس الشيخ منصور الستري، وسلمان عيسى سيادي، والدكتورة ضحى إبراهيم الزياني، والدكتور محمد المشهداني، ونوفل بن عبدالسلام غربال، أعضاء المحكمة الدستورية.

وحضور السيد/ عبدالحميد علي الشاعر، أمين السر.

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المُقيدة بجدول المحكمة الدستورية برقم (د/5/08) لسنة (6) قضائية.

المُقامة من:

حسن يوسف محمد جناحي.

وكيله المحامي حسن أحمد بديوي.

ضد:

1- صاحب السمو رئيس مجلس الوزراء (بصفته).

2- النيابة العامة.

ويمثلهما جهاز قضايا الدولة.

الإجراءات

بتاريخ الرابع والعشرين من يونيو سنة 2008 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى الأمانة العامة للمحكمة الدستورية طالبا الحكم بعدم دستورية المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (46) لسنة 2002 لمخالفتها نص المادة (19) من الدستور.

وقدم ممثل جهاز قضايا الدولة مذكرة طلب فيها الحكم أصليا: بعدم قبول الدعوى لانتفاء ولاية المحكمة بنظرها ولانتفاء المصلحة.

احتياطيا: برفضها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

وحيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد اتهمت المدعي بأنه في يوم 30/11/2003 بدائرة أمن محافظة العاصمة أولا: استعمل التهديد مع موظف عام بنية حمله بغير حق على الامتناع عن عمل من أعمال وظيفته، ثانيا:حاز وأحرز مادتي المورفين والحشيش المخدرتين بقصد التعاطي في غير الأحوال المصرح بها.

وطلبت عقابه بالمواد (220/1) من قانون العقوبات والمواد (2,1، 24/1، 27) من القانون رقم 4 لسنة 1973 بشأن مراقبة التداول في المواد والمستحضرات المخدرة واستعمالها والمعدلة بالمرسوم بقانون رقم 10 لسنة 1984 والجدول رقم (1) الملحق به، وإحالته إلى المحكمة الكبرى الجنائية التي نظرت الدعوى المقيدة برقم 217 لسنة 2005 وبجلسة 18/3/2008 حكمت المحكمة حضوريا بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة سنة واحدة عما أسند إليه.

طعن المدعي على هذا الحكم بالاستئناف رقم 85 لسنة 2008،وأمام محكمة الاستئناف قدم مذكرة دفع فيها بعدم دستورية نص المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية، وبجلسة 25/5/2008 قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وقررت تأجيل نظر الدعوى لجلسة 29/6/2008، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية خلال شهر فأقام الدعوى الماثلة.

وحيث إنه عن دفع ممثل جهاز قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لانتفاء ولاية المحكمة بنظرها ولانتفاء المصلحة على سند من خلو مواد الاتهام المقدم بها المدعي إلى المحكمة الجنائية من المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية المطعون فيها،فإن هذا الدفع ينحل – في حقيقته إلى دفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، وهو مردود بأنه لما كان المدعي يستهدف من الطعن بعدم دستورية المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية امتناع المحكمة عن تطبيقها وإلغاء قوة نفاذها ومن ثم القضاء ببطلان إجراءات القبض عليه المستند إلى هذه المادة، وهو ما يؤدي بالتالي إلى القضاء ببراءته مما هو منسوب إليه ولاسيما أن محكمة الموضوع قد اعتبرت الجريمتين المسندتين إليه قد وقعتا لسبب واحد ومرتبطتان ارتباطا لا يقبل التجزئة وبالتالي تكونان جريمة واحدة وعاقبته بالعقوبة المقررة لأشدهما طبقا لنص المادة (66) من قانون العقوبات، واتخذت من المادة المطعون عليها احد الأسباب التي شيدت عليها حكمها، ومن ثم تقوم مصلحة المدعي الشخصية والمباشرة في الطعن على المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية التي خولت مأمور الضبط القضائي القبض على المتهم دون إجراء قضائي.

متى كان ذلك، وكان مناط المصلحة في الدعوى الدستورية وهي شرط لقبولها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازما للفصل في الطلبات المرتبطة بها أمام محكمة الموضوع، وكان الحكم في الدعوى الجنائية متوقفا على الفصل في دستورية المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية، فإن الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة يكون على غير أساس.

وحيث إن المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية المطعون عليها تنص على انه (في غير الأحوال المبينة في المادة السابقة إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية، أو جنحة سرقة، أو نصب، أو اعتداء جسيم، أو حيازة أو إحراز مواد مخدرة، في غير الأحوال المصرح بها قانونا جاز لمأمور الضبط القضائي القبض عليه).

وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون فيه مخالفته نص الفقرتين (أ،ب) من المادة (19) من الدستور المعدل بمقولة إنه لا يجوز المساس بحرية الشخص من خلال القبض والتفتيش الا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وأن ما نصت عليه المادة (56) من قانون الإجراءات الجنائية من أن لمأمور الضبط القضائي القبض على الشخص إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه بارتكاب جناية أو إحدى الجنح المنصوص عليها في تلك المادة يخالف نص الفقرتين سالفتي الذكر من المادة (19) من الدستور لعدم اشتراطها رقابة سابقة من القضاء للقبض على الشخص.

وحيث إن نص الفقرة (أ) من المادة (19) يجري على أن " الحرية الشخصية مكفولة وفقا للقانون "، كما تنص الفقرة ب على أنه "لا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة من القضاء".

وحيث إن دستور مملكة البحرين قد حرص - في سبيل حماية الحريات العامة – على كفالة الحرية الشخصية فأكدت المادة (19/أ) من الدستور على أن "الحرية الشخصية مكفولة وفقا للقانون"، ولم يكتف في تقرير هذه الحماية الدستورية بإيراد ذلك في عبارات عامة، وإنما أتى بقواعد أساسية تقرر ضمانات عديدة لحماية الحرية الشخصية، ضمنها المادة (19) من الدستور، فبعد أن قرر في الفقرة (أ) من هذه المادة كفالة الحرية الشخصية حظر في الفقرة (ب) القبض على إنسان أو توقيفه، أو حبسه، أو تفتيشه، أو تحديد إقامته، أو تقييد حريته في الإقامة، أو في التنقل، إلا وفق أحكام القانون، وبرقابة من القضاء.

وقد حرص الدستور على النص على الضوابط العامة التي يلتزم بها القانون، في حماية هذه الحرية، لذلك تضمن قانون الإجراءات الجنائية نصوصا في شأن ضمانات الحرية الشخصية في تنفيذ القبض فلم يجز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً، وأوجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته الإنسانية، ومواجهته بأسباب القبض عليه وتقرير حقه في الاتصال بمن يرى من ذويه، لإبلاغهم بما حدث والاستعانة بمحام، وحظر إيذائه بدنيا أو معنويا (المادة61)، وإلزام مأمور الضبط القضائي بأن يسمع فورا أقوال المتهم المقبوض عليه وإذا لم يأت بما يبرئه يرسله في مدى ثمان وأربعين ساعة إلى النيابة العامة (المادة 57)، ومنع حبس أي إنسان إلا في السجون المخصصة لذلك (المادة62)، وأجاز لكل من رئيس محكمة الاستئناف العليا المدنية ورئيس المحكمة الكبرى المدنية، وقضاة تنفيذ العقاب، وأعضاء النيابة العامة، في أي وقت تفتيش السجون للتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية (المادة 63).

وحيث إن المشرع لم يكتف بالضمانات المتعلقة بشخص المقبوض عليه إنما استلزم النص المطعون عليه كذلك قيام ضمانتين أُخريين ضروريتين معا، لقيام مأمور الضبط القضائي بالقبض على المتهم في غير حالات التلبس بالجريمة: الأولى:ـ حصر سلطة مأمور الضبط القضائي بالقبض في جرائم محددة "على سبيل الحصر" وهي تلك التي أوردها تحديدا النص المطعون فيه، وهي الجنايات العامة وجنحة السرقة، أو النصب، أو الاعتداء الجسيم، أو حيازة أو إحراز مواد مخدرة في غير الأحوال المصرح بها قانونا، الثانية:- توافر دلائل "كافية" على وقوع إحدى الجرائم السابقة، وعلى نسبتها إلى المتهم ويقدرها مأمور الضبط القضائي، " وتراقبه في ذلك النيابة العامة ومحكمة الموضوع"، ويتعين أن يستخلصها المأمور من سلوك المتهم وتصرفاته التي تحمل "التفكير العادي" على الاعتقاد أنه قد ارتكب إحدى الجرائم السابقة.

وحيث إنه من المقرر أن الغاية من تخويل مأمور الضبط القضائي طبقا للنص المطعون فيه، القبض على المتهم، إذا توافرت الضمانات السالف ذكرها، هي الحيلولة دون فرار المتهم، أو إتلافه، أو تشويهه أدلة الاتهام التي يحملها، وذلك كله تحقيقا لمصلحة المجتمع في عقاب المتهم، وجمع أدلة إثبات الجريمة ونسبتها إليه، وهذا القبض وإن انطوى على مساس بحرية المتهم، إلا انه لا ينتفي عنه طابع التأقيت باعتباره إجراء من إجراءات التحقيق تفرضه الضرورة الإجرائية الملجئة، وتحسمه النيابة العامة بقرار تصدره في شأنه، فإن هي أصدرت قرارها بالإفراج عن المتهم زال القبض عليه وانتهى، وإلا أصبح الأمر كله في يدها وهي جهة قضائية مختصة بإجراءات التحقيق.

وحيث إن دستور مملكة البحرين على خلاف بعض الدساتير اتخذ موقفا وسطا ومعتدلا فيما يتعلق بالحرية الشخصية، وما يتفرع عنها من حقوق أوردتها المادة (19) منه وما قرره من ضمانات لحماية تلك الحرية فلم يشأ أن يطلق سلطة المشرع العادي في تنظيم تلك الحرية، بلا ضمانة،ولم يرد أن تكون تلك الحرية مطلقة تمتنع عن القيود والحدود إذا اقتضت مصلحة المجتمع فرض هذه القيود والحدود، فاستعمل التعبير "رقابة القضاء" كضمانة عند إجراء القبض على أي إنسان وهذا التعبير يسمح بتحقيق الرقابة القضائية على إجراء مأمور الضبط القضائي عند القبض على المتهم بالشروط السالف ذكرها بعد تمام اتخاذ هذا الإجراء وتنفيذ القبض، وهو ما أكده المجلس التأسيسي في جلسته العشرين المنعقدة يوم السبت الموافق 3 مارس سنة 1973 عند مناقشته المادة (18/ب) التي أصبحت بعد ذلك المادة (19/ب) من الدستور، إذ اكتفى بعبارة "رقابة القضاء" لإجراء القبض ولم يشترط صدور أمر قضائي قبل إجرائه، وإذ لم يحصن النص المطعون فيه أو يمنع النيابة العامة أو محكمة الموضوع من رقابة أمر القبض على المتهم في الجرائم التي ذكرها والشروط التي حددها، فإنه بالتضامم والتكاتف مع باقي نصوص قانون الإجراءات الجنائية تتحقق الرقابة القضائية التي اشترطها الدستور في المادة (19) منه.

لما تقدم جميعه، وكان لا دليل من أن النص المطعون فيه يخالف نص المادة (19/أ،ب) من الدستور أو يخالف أحكام الدستور الأخرى تعين الحكم برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى وألزمت المدعي المصروفات.

عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة عضو المحكمة رئيس المحكمة

مشاركة هذه الصفحة